الرئيسية

مشروع «غاليليو» ينافس أميركا وروسيا

في مطلع العام الماضي، تناقلت وسائل الإعلام خبراً عن اعتزام الصين والاتحاد الأوروبي التشارك في نشر مجموعة من الأقمار الاصطناعية لصنع نظام تحديد المواقع الجغرافية على الأرض. واعتبر كثيرون الأمر تحدياً من طرفي تلك المبادرة الفضائية للولايات المتحدة وروسيا، الطرفين البارزين في زمن الحرب الباردة. وتذكّر بعضهم مقولة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الأب، الذي أعلن أن نهاية الحرب الباردة نقلت ميدان الصراع للسيطرة على الأرض، إلى الفضاء!

وفي عهد خلفه الرئيس بيل كلينتون، عمدت الإدارة الديموقراطية إلى رفع لثام السرية عن نظام عسكري متقدم لتحديد المواقع على الارض، ونقلته إلى الاستخدام المدني، مستفيدة من المناخات الاستراتيجية المتغيّرة لعالم ما بعد الحرب الباردة وصراعاتها. وسرعان ما ظهرت أدوات الكترونية كثيرة تُقدّم تلك الخدمة إلى الأفراد. والتقطت شركات صناعة الهواتف النقّالة الخيط عينه، ووضعت تلك الخدمة في قلب منتجاتها.

وقبل أشهر قليلة، وصلت تكنولوجيا تحديد الموقع الجغرافي فردياً إلى الهواتف الخليوية في العالم العربي، وخصوصاً الكويت. وتعتمد هذه الخدمة على إيصال الإشارة الصادرة من الموبايل، إلى مجموعة من الأقمار الاصطناعية التي ترصد مصدرها من الفضاء. وسرعان ما ظهر إعلان تلفزيوني في أحد البلدان العربية يشير إلى إمكان تحديد موقع الموبايلات التي تتصل بالهاتف الخليوي المُشترك في خدمة تحديد المواقع، وعدم اقتصار الأمر على التعرّف إلى موقع المُشترك. وقد أثارت تلك الخدمة نقاشات عدّة.

«غاليليو» يستعد للمنافسة

راهناً، يوجد نظامان عالميان لتحديد الموقع الجغرافي للأفراد باستخدام الأقمار الاصطناعية، النظام الأول، والأكثر انتشاراً، هو الأميركي المعروف باسم «غلوبال بوزشيننغ سيستم» Global Positioning System. يُدار هذا النظام من قبل الجيش الأميركي، ويعمل بموجتين يمكن استخدامهما لتحديد المواقع الجغرافية. تتميز الموجة الأولى بالدقة، ويقتصر استخدامها على الجيش المذكور، فيما تستعمل الثانية مدنياً على نطاق واسع، وهي التي تُقصد عند استعمال مصطلح «جي بي اس» GPS. والجدير بالذكر أن الجيش الأميركي يُعلن باستمرار أنه سيعمد إلى قطع موجة الاستخدام المدني لهذا النظام، إذا دخلت الولايات المتحدة في حرب مع دولة تستخدمه!

يُعرف النظام الثاني لتحديد المواقع على الأرض باسم «غلوناس» GLONASS، ومنشأه روسي. ولا يُستعمل على نطاق واسع من شركات الاتصالات والمعلوماتية.

من الناحيه التقنية، يستخدم النظامان أساليب علمية متشابهة جداً. وكحال النظام الأميركي، يدار نظام «غلوناس» من وزارة الدفاع الروسية. ويعتقد بعضهم انه غير موثوق لأن روسيا لم تنفق جهوداً أو أموالاً كثيرة لتطوير دقته، وخصوصاً في السنوات الأخيرة.

وعلى رغم ان النظامين، وخصوصاً الأميركي، متوفران للاستخدام المدني بصورة واسعة، فإن سيطرة العسكر على النظام الأميركي يجعل الاتحاد الأوربي حساساً حياله، فكيف يُمكن، مثلاً، بناء أنظمة للملاحة البحرية، التي تُحرّك بضائع مؤثرة بالنسبة الى الاقتصاد الأوروبي، بالاعتماد على نظام يسيطر عليه عسكر أميركا بل لديهم الحق في وقفه في أي وقت!

والأرجح أن تلك الأسباب وغيرها، دفعت الاتحاد الأوروبي إلى تكليف «الوكالة الأوروبية للفضاء» ببناء نظام مواز وذي دقة عالية، بحيث يكون تحت السيطرة الأوروبية بصورة موثوقة. وتلك كانت نقطة انطلاق لصنع نظام الأقمار الاصطناعية الأوروبية لتحديد المواقع الجغرافية على الأرض، الذي يُشتهر باسم عالم الفلك الإيطالي الشهير غاليليو. (انظر المُربع: من هو غاليليو؟).

عند اكتماله في العام 2010، من المتوقع أن يتألف غاليليو من 30 قمراً اصطناعياً، تصل كلفتها إلى 3.5 بليون يورو. وعندها، تدور المركبات الفضائية المُكوّنة لـ»غاليليو» في مدارات لها زاويا مختلفة، ما يكفل نشوء وضع تستطيع فيه كل نقطه على سطح الأرض ان ترى 4 أقمار اصطناعية على الأقل، في أي وقت.

عين الأرض على الفضاء

منذ أيام البابليين والإغريق والفراعنة، استخدم الناس النجوم والكواكب لإرشادهم أثناء الإبحار. واعتمد البحّارة على الشمس نهاراً والنجوم ليلاً، لتحديد ما يُعرف راهناً باسم خطوط العرض والطول، وكذلك للتعرّف على الجهات الأربع. والحال أن نظام «جي بي إس» يستخدم مبادئ مشابهة لما استعمله القدماء، لكنه أكثر دقة. وقد طُوّرت تقنياته عسكرياً منذ بداية سبعينات القرن الماضي.
ويتمثّل مبدأه العلمي الأكثر أهمية في الاعتماد على موجات راديو تُرسل من الأقمار الاصطناعية إلى الجهاز، الذي يبث إشارة تسلّم الموجة. ويحتسب القمر الفارق بين لحظتي الإرسال والاستلام لتحديد الموقع.
ومن الواضح أن دقه إيجاد الموقع تعتمد أساساً على دقة قياس الوقت في النظام الفضائي والجهاز الأرضي.
وللإيضاح، فإن القمر الاصطناعي يبثّ الموجة عينها إلى جميع الأجهزة، وعلى تردّد وحيد. وتُسجّل تلك الموجة الوقت الذي خرجت فيه من القمر الاصطناعي، بدقة صارمة. وكلما زادت هذه الدقة ازدادت الدقة في تحديد الموقع الذي تصله على الأرض. وتصل الدقة في نظام «غاليليو» الأوربي إلى نانو ثانية، ما يوازي كسر من بليون من الثانية.
وتكتمل الصورة مع جهاز تسلّم الموجة أرضياً، الذي يحفظ في ذاكرته مدارات الأقمار الاصطناعية وزوايا دورانها، إضافة الى قدرته على قراءة وقت وصول الموجة الفضائية.
وفي خطوة تالية، يتعرف الجهاز الى لحظة خروج الإشارة من القمر، ليحتسب الفارق بين اللحظتين، وبالتالي يُقدّر المسافة بين الجهاز ومركبة الفضاء. وأخيراً، يُقارن الجهاز الإشارات الصادرة من 4 أقمار مختلفة، ما يُمكنّه من تحديد موقعه على الأرض.
من البيّن أن الدقة في قياس الوقت هي المبدأ الأكثر أهميه في نظام تحديد المواقع يعتمد على الأقمار الاصطناعية. ومبدئياً، تحتوي الأقمار الإصطناعية في «غاليليو» على ساعة ذرية تقيس الوقت بالنانوثانية.
وإضافة إلى تحديد المواقع، من المتوقع أن يُستعمل نظام «غاليليو» في ضبط التوقيت بالنسبة الى مجموعة من الأدوات الحسّاسة، مثل الساعات الأساسية في وكالات الفضاء والمطارات والمفاعلات الذرية وغيرها.
وبذا، يُساهم «غاليليو» في توجيه تحركات وسائط النقل كالطائرات والسفن والقطارات والسيارات سواء بين الدول والمدن أو داخل المدن نفسها، إضافة الى تمكين الأشخاص من السفر براً بسهولة، ومعرفة حال المواصلات ومدى سيولتها والطرق البديلة في حال الازدحام وغيرها. ومن البيّن أيضاً أن الأجهزة المستخدمة لحالات الطوارئ، مثل سيارات الإطفاء وطائرات مكافحة الحرائق وسيارات الإسعاف، تستفيد من نظام «غاليليو» في رفع مستوى ادائها.
كما يُساهم النظام عينه في رفع مستويات الحماية للتعاملات الالكترونية التي تجري بين دول متباعدة باستخدام الانترنت والخليوي وغيرهما.

قمر للتثبّت من النظام

من بين المكوّنات المتعدِّدة لنظام «غاليليو»، يبرز القمر الاصطناعي «جيوف- ايه»GIOVE-A . ويختصر الاسم عبارة Galileo In-Orbit Validation Element، والتي تشير الى مهمة ذلك القمر وهي اختبار فعاليّة «غاليليو» أثناء عمله في مداره.
كما هو ظاهر من اسمه، فإن «جيوف- ايه» قمر تجريبي، ولا يُعتبر جزء من الثلاثين قمراً المُكوّنة لمنظومة «غاليليو». وأُطلق «جيوف- ايه» في 28 كانون الأول (ديسمبر) 2005 بواسطة صاروخ روسي من قاعدة تابعة لـ «وكالة الفضاء الروسية» في مدينه بايكانور في جمهورية كازاخستان.
ويزن «جيوف- ايه» حوالي 600 كيلوغرام. وصُنع بواسطة شركة «سيري لتكنولجيا الأقمار الاصطناعية» البريطانية، التي تُنسق أعمالها مع جامعة «سيري» في مدينة غلفورد في جنوب غربي لندن.
وتتلخص مهمات القمر في 3 أشياء، يأتي في أولها تأمين استخدام التردّدات التي خصصها «الاتحاد الدولي للاتصالات» لمشروع «غاليليو». والمعلوم أن الاتحاد يلجأ الى سحب الترخيص بهذا النوع من التردّدات إذا لم توضع قيد الاستعمال بعد مُدّة مُعيّنة من الترخيص بها. وتتمثل المهمة الثانية للقمر «جيوف- ايه» في تجريب وحدات تبادل الإشارات بين القمر والمحطات الأرضية. وأما المهمة الثالثة فهي التوسّع في فهم مدى تأثير الأشعة الكونية على منظومة الأقمار الاصطناعية، عند دورانها على ارتفاع 23300 كيلومتر تقريباً.
يحتوي ذلك القمر الاصطناعي على ساعتين ذريتين، تدعم إحداهما الأخرى في حال إخفاقها. وكذلك يضم وحدتين لتوليد إشارات الراديو. تشبه إحدى الوحدتين الإشارة المعتمدة في نظام «غاليليو»، وأما الثانية فتجريبية وأكثر بساطة. ومن المتوقع ان يستمر القمر «جيوف - ايه» في عمله سنتين.

* اختصاصي مصري في الفيزياء

old_id: 
552
اسم الكاتب: 
سعد يوسف عبد الرزاق